
في ظل ازدياد الأعباء والهموم على الفلسطينيين تكاد ابتساماتهم لا تعرف طريقها بين قسمات وجوههم، وغلبت عليها الكَشرة والعدوانية بدرجة امتياز في مختلف شؤون حياتهم. ويرى أطباء نفسيون أن الهموم الناجمة عن الاحتلال، وخاصة حرب غزة، وراء هذا التحول في الشخصية الفلسطينية.
ويؤكد مازن حمدونة ،طبيب نفسي، أن كل الفئات العمرية داخل المجتمع تتصف بالكشرة، حتى النساء بتن أكثر حدةً في تعاملهن سواء داخل بيوتهن او خارجها.
وقال لـ"العربية.نت": "تعاقب المصائب والكوارث والهموم الناجمة عن الاحتلال منذ أكثر من 62 عاماً، تحفّز الأجهزة العصبية لديهم التي تكوّن الشخصية الهادئة أو المستنفرة بطبيعتها".
وأوضح أن الظروف المادية والحياتية الصعبة "زادت من تفاقم هذه الصفة لدى المجتمع الفلسطيني برمته". وأكد أنه "من الصعب أن تشقّ الابتسامة طريقها وسط كل هذه الهموم".
وفي قطاع غزة تحديداً، ورغم انصهار معظم العائلات فيه بالشعب المصري المعروف بمرحه وابتسامته، إلا أن قسوة الحياة تلقي بظلالها على حديث الناس.
ولا تكاد جلسة لأي فئة عمرية بين الغزيين تخلو من الحديث حول البطالة أو محاولات مكوكية حول الحصول على وظيفة ما، أو حرب إسرائيلية جديدة، أو انتظار الراتب.
ويشير مدحت سليمان، المرشد النفسي للمرحلة الثانوية بإحدى المدارس، إلى أن زيادة العدوانية لدى الطلبة لم تأتِ من فراغ. وقال لـ"العربية.نت": "من الصعب السيطرة على السلوك العدواني لفئة الشباب، خاصة أنهم عاشوا الكثير من الحروب، وخاض عدداً منهم قتالاً، فيما عاش الآخرون لحظات صعبة في حياتهم أثرت في سلوكهم العدواني".
واعتبر سليمان أن ضبابية المستقبل عند الفلسطينيين "تزيد من التصلب في تعاملهم مع بعضهم بعضاً". وأضاف "الأسر الفلسطينية لا تخلو يومياً من المشاكل بين الزوجين والأولاد، بسبب الضغط النفسي الذي يواجهونه طوال اليوم".
وأشارت رانيا سعيد إلى أن زوجها يخلق لها المشاكل اليومية. وقالت "منذ ثلاث سنوات وأنا أعيش على أعصابي، فمجرد دخوله المنزل أكون مستنفرة لأي طارئ أو مشكلة قد يفتعلها دون سبب".
ونوّهت إلى أن معظم الرجال باتوا قلقين جداً على حياتهم وحياة أطفالهم، وعلى مستقبلهم الوظيفي، الأمر الذي يجعلهم كشرين جداً ونادراً ما يبتسمون في وجوه الناس. وأضافت "كل صديقاتي يعانين نفس المشكلة مع أزواجهن، فلا احد يضحك ولا أحد يتحدث بطبيعته. فالظروف الاقتصادية الصعبة والبطالة والفقر فضلاً عن الضبابية السياسية للمشكلة الفلسطينية، أصبحت المدخل الأساسي لابتسامة الفلسطينيين من عدمها".
واعتبر أسامة فرينه من برنامج غزة للصحة النفسية أن حالة اليأس الشديد والإحباط والانقسام تؤدي في مجملها إلى جملة من العوامل النفسية السلبية داخل المجتمع الفلسطيني. وقال لـ"العربية.نت": "لابد من التفريغ النفسي بالشكل الإيجابي لاستدراك الموقف".
وأوضح أن المجتمع الفلسطيني يعيش لحظات من السعادة المؤقتة إذا ما سمع خبر إعادة اللحمة الفلسطينية من جديد، "لكنه يعود أكثر سلبية وحدة في حال فشل المساعي لتوحيد الفلسطينيين. وهذا الأمر بالغ الأهمية في السنوات الثلاث الأخيرة على سلوك المجتمع بأكمله".
ووصف حالة الفرح والابتهاج لمئات الآلاف من الفلسطينيين عند فوز المنتخب المصري لكرة القدم بكأس إفريقيا، "كنوع من التفريغ النفسي المؤقت بالاتجاه الإيجابي، للخروج من حالة اليأس والإحباط التي يعاني منها الشعب الفلسطيني برمته".
وتعتبر السياسة بأشكالها ترمومتر الابتسامة عند الفلسطينيين، والتي يدخل في مضمونها الحياة اليومية لهم، إلا أن الفلسطينيين لازالوا يحاولون الخروج من مأزق ما آلت إليه أمورهم.
لكن الكشرة في وجوههم ستبقى شاهدة على عصور صعبة عاشوها، لن تمحوها الأيام والسنون بسرعة. فالرئيس محمود عباس دائم التكشير، ومقدمو البرامج التلفزيونية لا تظهر الابتسامة على وجوههم، والعمال والموظفون يذهبون إلى أعمالهم ويخرجون منها بتكشيرة على وجوههم، وكذا الجيران عندما تلقي عليهم التحية تراهم كشرين وهم يردون لك التحية.. فإلى متى سنظل كشرين؟!










